السبت، 4 مايو 2013

حيفا في مقالات د.جوني منصور







مي زيادة ورحلتها من بيروت إلى حيفا


جوني منصور


لم تحظ حيفا بوصف جميل في نهاية فترة الحكم التركي بمثل ما حظيت به من قلم الأديبة الفلسطينية ـ اللبنانية الأصل مي زيادة.
·       خطوط أولى من حياتها
 ومي زيادة (واسمها ماري الياس زيادة) المولودة في الناصرة في عام 1886 لأب لبناني وأم فلسطينية، ترعرعت في أسرة مثقفة ومتعلمة، فوالدها عمل مدرسا وكانت له ميول للكتابة الأدبية. وتلقت مي زيادة دراستها الابتدائية في مدرسة الراهبات في الناصرة ثم تابعت دراستها للمرحلة الثانوية في مدرسة عينطورة في لبنان. وانتقلت اسرتها في عام 1907 إلى القاهرة بحكم أعمال والدها، فتابعت دراستها الجامعية في جامعة القاهرة حيث درست الأدب العربي والفلسفة والحضارة الاسلامية.
·       صالون "يوم الثلاثاء"
وكانت من المبادرات والطلائعيات إلى تأسيس منتدى(صالون أدبي) عرف بـ "يوم الثلاثاء" جمعت فيه عددا كبيرا من نخبة الأدباء والمفكرين المصريين أمثال أحمد لطفي السيد وخليل مطران وأحمد شوقي ومحمود عباس العقاد وأنطون الجميّل وشبلي الشميل وغيرهم. ونوقشت في هذا الصالون مواضيع أدبية وفكرية وثقافية.
·       عشرون عاما من لقاء جبران، بقي حبرا على ورق
وراسلت مي زيادة جبران خليل جبران لمدة عشرين عاما بين 1911 و 1931 دون ان يلتقيا ولو لمرة واحدة، وتعمقت العلاقة بينهما. ولما توفى جبران تأثرت للغاية وأصيبت بحالة من الكآبة وزاد على هذه الحالة وفاة والديها الواحد تلو الآخر. فأدخلت إلى أحد المصحات العقلية في لبنان، إلا أن المفكر اللبناني أمين الريحاني عمل مع أصدقاء له على تحريرها وإعادتها إلى القاهرة، وتوفت فيها في العام 1941. ورثاها خليل مطران والعقاد وهدى الشعراوي وغيرهم.
·       مؤلفاتها
تركت زيادة عددا من المؤلفات، من أبرزها:"المساواة" و "ظلمات وأشعة" و "بين الجزر والمد" و"كلمات وإشارات" وغيرها. ونشرت عشرات المقالات والخواطر والتعليقات في صحف مصرية وعربية أخرى، من أشهرها: "المقطم" و "الأهرام" و "المقتطف" و "المحروسة"...
ووضعت مجموعة كبيرة من الدراسات والبحوث حول مي زيادة وأدبها وكتاباتها ومساهماتها الأدبية والفكرية، وجمعت أعمالها الكاملة في بيروت في عام 1982 عن دار نوفل للنشر.
·       كتبوا عنها
وكتبت أطروحة دكتوراة على يد انيتا زيجلر الالمانية شرحت من خلالها المأزق الثقافي الذي عاشته زيادة وسط نقاش مصري واسع ذي صلة بهوية مصر الوطنية في العشرينيات ومطلع الثلاثينيات من القرن الماضي. واشارت زيجلر إلى ان زيادة تأثرت بتيارات فكرية وأدبية أوروبية أتاحت لها متسعا ومساحة من الحرية في التعبير والكتابة.
·       مشروع درامي قيد الإعداد
وهناك مشروع درامي سوري لتجسيد حياة وأعمال مي زيادة في مسلسل تلفزيوني سيتم بثه في العام القادم.
·       سبعون عامًا والدعوة إلى تنظيم فعاليات
وجدير ذكره أن العام القادم هو عام زيادة، أو بالأحرى بودنا الإشارة إلى ضرورة قيام المؤسسات والجمعيات الأهلية والمدارس في مختلف مناطق الوطن بإحياء ذكرى هذه الأديبة المتميزة بمختلف الطرق المتاحة والممكنة من يوم دراسي إلى ندوة إلى مهرجان وإلى مؤتمر فكري وأدبي يخصص لهذه الغاية.
·       قلم مي زيادة كريم لأجل حيفا
ولقد عثرنا بين مؤلفات زيادة وصفا بقلمها لزيارتها مدينة حيفا بواسطة سفينة أقلتها من بيروت إلى حيفا ومن حيفا إلى مسقط رأسها الناصرة. وهذا الوصف ينقل لنا صورة رائعة وجميلة جدا عن مدينة ناشئة وهانئة مستلقية على منحدرات الكرمل. وننقل للقارئ الكريم حرفيا القطعة الأدبية التي خصت فيها حيفا وروابيها وجبلها ووديانها وكرملها وشطآنها وبحرها.

من بيروت إلى حيفا بقلم مي زيادة
"وأخذتِ السفينة تتحرّك فخُيِّل أن بيروت ولبنان يتباعدان هما عنّا يهمّان بأمرٍ خطير يجب ألاّ نعرف منه شيئًا, نحن النقطة الهائمة على الماءِ, وظلاّ يتباعدان كَتُومين فمضيت إِلي سريري قبل أن يغيبا عن البصر تمامًا, ورقدْتُ سعيدة لأني نمتُ مرّة أخرى في بيروت عند قدم لبنان. واستلمني إله الكري.

وما انتبهت في صباح الغد إِلاّ والشمس مشرقة والأفق بسّام فوق مدينة حيفا

وكما تسرع الموجة الصغيرة إِلي الاختباء في حضن أمها بعد مداعبة الشاطئ, كذلك تجلس حيفا في سفح الكرمل. كأنها بعد غسل بيوتها في البحر ابتعدت وارتفعت خوفًا من البلل.

ومن جوانبها تتشعَّب السبل إلى مختلف الأنحاء. فأسير فيها بالتخيُّل والذكرى.

هذه سبيل تحاذي شفة البحر إِلي عكَّاء الجميلة الضواحي, الغنية التاريخ, ومن ثم إِلي حديقة (البهجة) أجمل حدائق تلك البقعة. وفي جوارها (بستان العجم) عزلة كبير البهائيين عباس أفندي, ومن أحفل الجنَّات بالورود. ثم تمتدُّ الطريق وتتلوَّى, وترتفع وتنخفض حتى صور ابنة صيدا وأم قرطاجنة. صور التي شيدت, على ما يرى المحدثون, بأمر من تيروس سابع أبناء يافث بن نوح. ويقال إن أجينور الطرواديَّ سكنها مع أبنائه الثلاثة: قدموس, رافع جدران طيبة اليونانية وناشر الأبجدية في بلاد الإغريق. وفينيقس الذي أطلق اسمه على بقاع فينيقيا الواسعة, وأورب الذي دعيت أوروبا باسمه.

من صور هذه انطلقت القوافل النشيطة تنشئ المستعمرات في بلاد لم تكن تعرف معنى العمران. شادت قرطاجنة منافسة روما بعدئذ, وأوتيكا الإفريقية ذات التجارة الغنية, وقاديثا الأندلسية التي مضى منها الاسبان فيما يلي من العصور للبحث عن العالم الجديد.

صور اليوم مهدَّمة كئيبة. وفيها سكينة اليأس والكلال بعد أن كانت الملتقى الأكبر للمواصلات مع جميع أنحاء العالم المعروف يومئذٍ. تتتابع الطريق منها بامتثال, على مقربة من بحرها الجميل الفتَّان, إلى صيدا المدعوة في التوراة (صيدا العظيمة). صيدا العظيمة التي أغرت الغزاة والفاتحين بجمال موقعها ووفرة ثروتها. هنا ما زالت الطبيعة فتية باسمة, في بساتينها تتهدَّل الأثمار ويعذب الجنى, وفي فضائها تنتشر عطورُ الأزهار وأرواح جميع ما تنتجُ الأرضُ. والبحر يعزف أنشودتهُ في ظلَّ جبال لبنان المضمَّخة بهناء معناها وحب أبنائها.

ليس الجبل الذي تستند عليه حيفا القائمة أمامي لبنانًا, بل هو الكرمل. هو أكمة من سلسلة جبال الكرمل الممتدة بين بلاد الجليل والسامرة. لقد سافرتُ في حياتي الصغيرة, مرَّات على ظهر الجواد في ظل هذه الجبال, واستوعبتْ روحي ما ينطلق من أشكالها وروائحها وبقاعها وغاباتها وصخورها من المعاني والأخيلة. ولكم شهدتُ أسراب الطيور فوقها وحواليها مرفرفةً! ولكم رأيتُ الأرانب والغزلان بين صخورها وأشجارها شاردة!

-
لست أدري أأنا أشد حبّا للكرمل, أم لجبل الطور المستدير هناك على صفحة مرجِ بن عامر?

قد تنتهي أيامى قبل أن أكون على بينة من الأمر. كلُّ هذا يبث في النفس عواطف رحيبة, وكأنه يوسع التنفس في الصدر ويجتاز بالمرء كل عاطفةٍ وكل تأثرٍ وكل إِحساس بما ينشره من أشكال وألوان وخطوطٍ وعطورٍ وتذكارات قديمة مجهولة. وسحره الأكبر, كسحر كل محبوب, هو الشيء الذي لا يعبر عنه. كان لامرتين ما حل بأرضٍ جميلة إِلاَّ قال: (هذه أبهى ما رأيت. وأودُّ أن أدفن هنا بعد موتي). ولكأني من هذا القبيل لامرتين بعض (اللامرتينية).

على أن أعذب تذكار لديَّ من هذه الميناء هو أني عندما تعرفت بالبحر ووقفت في حضرتهِ للمرة الأولى في طفولتي. وهو الذي ركبتهُ يومئذٍ لأذهب إلى مدرسة راهبات الزيارة في عين طورة.

مساءٌ ما زال حيّا كأنه مساء البارحة.

كان القمر بدراً يغمر هذه الجبال والبقاع المنبسطة عند موطئها. وكانت أشعته تنصبُّ سيلاً على المياه فتخطُّ فيها ممرّا نورانيّا وسيعًا, قضيت تلك السهرة وأنا أرقب ألوف الأرواح الصامتة تغتسل فيه جذلي. وإِذ همَّت الباخرة بالمسير حمل إلينا النسيم مقاطع شدوٍ كله شهيق ونحيب. كان النسيم يحمل ذلك الشدو متقطعًا كأنه مثقلٌ بعطور الكرمل من صعتر ونعناع وخزامي وخليط من شذا سائر الأعشاب البرية.

ما هو هذا الصوت? أصوات وداع بعيد? أهو يأس يتفطر في أواخر السهرة عندما يطوف الكرى في اللواحظ? أهو نشيد للبحر أم نشيد من البحر? أم هو إِيذان بالرحيل للسفن المتأهبة? لم أعلم يومئذٍ. ولقد زاد هذا الجهل في تفخيم اللغز وإِيهام لذاذتهِ, ومرت أعوام قبل أن أعلم أن ذلك كان صوت كمنجة, تلك الآلة الوترية التي هي أعجوبةٌ عذوبةٍ وتفجّع كأفعل حنجرة إنسانية شادية.

-
عادت الزوارق إلى الشاطئ وهدأت الحركة على صفحة البحر, فجاءَ الظلام مَرة أخرى بحلكه المرصع بالأنوار, وروعته التي تملأ النفوس تعبُّدًا وخشوعًا".
_________________________________________________________
 
 


 
 اسرتها في عام 1907 إلى القاهرة بحكم أعمال والدها، فتابعت دراستها الجامعية في جامعة القاهرة حيث درست الأدب العربي والفلسفة والحضارة الاسلامية.
 
·       صالون "يوم الثلاثاء"
 
وكانت من المبادرات والطلائعيات إلى تأسيس منتدى(صالون أدبي) عرف بـ "يوم الثلاثاء" جمعت فيه عددا كبيرا من نخبة الأدباء والمفكرين المصريين أمثال أحمد لطفي السيد وخليل مطران وأحمد شوقي ومحمود عباس العقاد وأنطون الجميّل وشبلي الشميل وغيرهم. ونوقشت في هذا الصالون مواضيع أدبية وفكرية وثقافية.
 
·       عشرون عاما من لقاء جبران، بقي حبرا على ورق
وراسلت مي زيادة جبران خليل جبران لمدة عشرين عاما بين 1911 و 1931 دون ان يلتقيا ولو لمرة واحدة، وتعمقت العلاقة بينهما. ولما توفى جبران تأثرت للغاية وأصيبت بحالة من الكآبة وزاد على هذه الحالة وفاة والديها الواحد تلو الآخر. فأدخلت إلى أحد المصحات العقلية في لبنان، إلا أن المفكر اللبناني أمين الريحاني عمل مع أصدقاء له على تحريرها وإعادتها إلى القاهرة، وتوفت فيها في العام 1941. ورثاها خليل مطران والعقاد وهدى الشعراوي وغيرهم.
 
·       مؤلفاتها
تركت زيادة عددا من المؤلفات، من أبرزها:"المساواة" و "ظلمات وأشعة" و "بين الجزر والمد" و"كلمات وإشارات" وغيرها. ونشرت عشرات المقالات والخواطر والتعليقات في صحف مصرية وعربية أخرى، من أشهرها: "المقطم" و "الأهرام" و "المقتطف" و "المحروسة"...
ووضعت مجموعة كبيرة من الدراسات والبحوث حول مي زيادة وأدبها وكتاباتها ومساهماتها الأدبية والفكرية، وجمعت أعمالها الكاملة في بيروت في عام 1982 عن دار نوفل للنشر.
 
·       كتبوا عنها
وكتبت أطروحة دكتوراة على يد انيتا زيجلر الالمانية شرحت من خلالها المأزق الثقافي الذي عاشته زيادة وسط نقاش مصري واسع ذي صلة بهوية مصر الوطنية في العشرينيات ومطلع الثلاثينيات من القرن الماضي. واشارت زيجلر إلى ان زيادة تأثرت بتيارات فكرية وأدبية أوروبية أتاحت لها متسعا ومساحة من الحرية في التعبير والكتابة.
·       مشروع درامي قيد الإعداد
وهناك مشروع درامي سوري لتجسيد حياة وأعمال مي زيادة في مسلسل تلفزيوني سيتم بثه في العام القادم.
 
 
_________________________________________________________ 

أموالنا في البنوك
بقلم: جوني منصور

شهدت الفترة الأخيرة من حياة الدولة العثمانية بعض التغييرات والتعديلات في مبناها الاقتصادي والمالي والمصرفي، حيث بدأت تظهر البنوك والمصارف في عدد من المدن المركزية في هذه الدولة، ومنها حيفا.  ولم يكن المجتمع العربي في فلسطين، بل في سوريا، قد انتقل دفعة واحدة إلى التعامل المصرفي، إذ سادت هذا المجتمع ظاهرة التسليف المحلي من قبل مرابين، أو التعامل وفق مبدأ "يتوفر معي أقوم بالصرف". ولكن إزاء التحولات التي شهدتها المنطقة، وخصوصا زيادة النفوذ الاقتصادي الاجنبي في الدولة العثمانية سواء الفرنسي او البريطاني او الالماني لم تتمكن الدولة العثمانية من الصمود طويلا. لهذا بدأت تكثر البنوك، ولكل شركة بنكية أجندتها المالية وأيضا دورها السياسي.

وعرفت الحركة الصهيونية عبر  ذراعها الاقتصادي كيفية الاستفادة من هذه التحولات، واخترقت السوق الفلسطيني من خلال شركات مصرفية وبنكية اوروبية الجنسية أو المصدر. وعملت هذه على شراء الأراضي أو مصادرة مساحات من الأراضي التي رهنها الفلاحون الفلسطينيون مقابل القروض التي حصلوا عليها بدواعي تطوير القطاعات الزراعية المتنوعة.

وظهرت في حيفا في أواخر الفترة العثمانية بنوك عدّة، ولكن عددها أخذ بالزيادة في فترة الانتداب البريطاني. هذا الانتداب الذي ألحق ضربات اقتصادية قوية للغاية في الاقتصاد الفلسطيني لصالح تمكين وتعزيز الاقتصاد الصهيوني، ساهم في عملية إنهيار الاقتصاد الفلسطيني وبالتالي إلى ضعف وترهل هذا الاقتصاد في بعض ميادينه، مقارنة مع الاقتصاد الصهيوني الذي شهد طفرة من التطور والنمو مدعوما من حكومة الانتداب البريطاني. وأكثر من ذلك اضطر الاقتصاد الفلسطيني إلى الارتباط والتعلق بالاقتصاد البريطاني والصهيوني معا.

نستعرض هنا بعض البنوك التي عملت ونشطت في حيفا في الفترتين العثمانية والبريطانية لفائدة القراء ومحبي المعرفة.

·      البنك الزراعي:

شهدت الفترة الأخيرة من حياة الدولة العثمانية بعض الاصلاحات الإدارية والمالية، ومن بينها السعي للحفاظ على علاقة الفلاح بأرضه. والقصد هنا أن الفلاحين قد تراجع وضعهم الاقتصادي جراء زيادة النفوذ الغربي وجراء الضرائب الباهظة التي يدفعونها، مقابل ما يتبقى لهم من نتاج المحصول. فعملت الدولة على إقراضهم من هذا البنك لدعم المشاريع الزراعية. تأسس البنك في عام 1892، وكان أحد مكاتبه المركزية في عكا وترأس مجلس الإدارة عبد الفتاح السعدي ومأمور البنك نجيب إدلبي، إضافة إلى خمسة أعضاء تولوا أمورًا إدارية متنوعة.  وكان أعضاء مجلس إدارة البنك من الأثرياء في عكا والمنطقة، نذكر منهم على سبيل المثال: ميخائيل عيد وجرجي خوّام، ورشيد افندي أبو الهُدى. أما مأمور البنك الزراعي في حيفا عشية الحرب العالمية الأولى فكان نوري أفندي ضياء.  وساهم هذا البنك في دعم عدد من مشاريع الفلاحين الفلسطينيين في منطقة حيفا على سبيل المثال. وتم إقراضهم مبالغ من المال لتحقيق هذه الغاية مقابل رهن أملاكهم.

ولما وقعت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني قامت بريطانيا ببيع الاملاك المرهونة لهذا البنك إلى شركات صهيونية. ومن بين الأملاك المرهونة مساحات شاسعة من الأراضي. علما أنه لا يجوز لبريطانيا التصرف بأموال وأملاك البنك على هذه الطريقة، لكونها لا تملك البنك الزراعي ولا أسهم لها فيه.

 

·      البنك العثماني: 

تم تأسيس هذا البنك في العاصمة استنبول برأسمال انجليزي – فرنسي في العام 1862. وتأسست للبنك فروع في معظم مدن الدولة العثمانية، ومن بينها حيفا. واعتقد السكان أن هذا البنك هو عثماني اسلامي من اسمه، ولكون مركزه في العاصمة، وهذا يعني بالنسبة لهم أنه تحت رعاية ومراقبة السلطات العثمانية، ولكن في حقيقة الأمر أن معظم رأس المال كان يهوديا. وتولى إدارة الفرع في حيفا عشية الحرب العالمية الأولى روفائيل بيشوتو ثم موسى نمرة وهما يهوديان. واستخدمت إدارة البنك عددا من الموظفين من أبناء المكان، نذكر منهم على سبيل المثال نجيب حبيب سمعان وجاك(يعقوب) ابكاريوس.

 

·      بنك باركليس:

هو بنك انجليزي، فتح فروعه الأولى مباشرة بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين، وإعلان الانتداب عليها. واعتبر هذا البنك الرئيسي بالنسبة لسلطات الانتداب البريطاني، واتخذ القدس مركزا لإدارته.  أما الفرع في حيفا فاتخذ عمارة كبيرة له في شارع الملوك، حيث ما يزال إلى اليوم قائما باسم بنك مركنتيل. وللإشارة هنا أن معظم موظفي الإدارة في هذا البنك كانوا من صفوف الانجليز وبعض اليهود، في حين أن الموظفين الصغار في الدرجات كانوا عربا.

 

·      بنكو دي روما:

هو بنك برأسمال ايطالي، اتخذ القدس مركزا رئيسا له. وكانت له فروع كثيرة في مدن فلسطين، ومن بينها حيفا. أما مقره في حيفا فكان في بناية الخياط في شارع الملوك قريبا من مقر البوليس المركزي في المدينة أي في شارع الملوك. في حين أن إدارته الاقليمية كانت في مدينة الاسكندرية بمصر حيث تكثر مصالح الطليان فيها منذ عقود طويلة. وتم تعيين جاك خليل مديرا لفرع حيفا، وعرف بحسن سلوكه وعلاقاته العامة الطيبة.

 

·      البنك العربي:

أسسه عبد الحميد شومان بالتعاون مع احمد حلمي عبد الباقي في القدس في 1930 برأسمال قدره خمسة عشر ألف جنيه فلسطيني. وهو بنك فلسطيني الفكرة والمنشأ والعمل.  وفتحت له فروع في معظم مدن فلسطين الكبرى ومنها يافا وحيفا ونابلس وغيرها. وكان مقره في شارع الملوك بحيفا. وتولى رشيد الحاج ابراهيم ادارة الفرع في حيفا في الثلاثينيات ثم تولاها فريد السعد في عام 1942(وهو في الأصل من أم الفحم). وعرف من بين مدرائه في فترات مختلفة واصف الصليبي وهو رجل خطيب له مواقف وطنية في مقارعة سلطات الاحتلال البريطاني. وكسب هذا البنك ود المواطنين العرب لكونه عربيا في كافة مركباته. ولأن مؤسسه رجل عصامي عرف باتكاله على ذاته وبتكوين رأسماله بتعبه وجهده. وما زال هذا البنك ناشطا في مناطق الضفة الغربية ومركزه في رام الله.

 

·      بنك أنجلو – بالستاين:

عمل اليهود على تأسيس بنوكهم في أوروبا على قاعدة شركات برأسمال كبير وضخم. ثم مع انتشار نشاط الحركة الصهيونية اتخذوها كغطاء لهم، كما أنهم اتخذوا الاحتلال البريطاني حاضنة وغطاء لسياساتهم المالية إضافة إلى سياساتهم ومنهجهم التطبيقي للاستيطان في فلسطين. تم تأسيس هذا البنك في لندن في عام 1902 باسم "الشركة الانجلو – فلسطينية". واعتبر البنك المركزي الصهيوني وللحركة الاستيطانية.  وافتتحت فروع لهذا البنك في حيفا ويافا وصفد وطبريا والقدس وغيرها، حيث أقرض الفلاحين قروضا كبيرة بفائدة قليلة مقابل رهن عقاراتهم. ومقابل ذلك عملت حكومة الانتداب على ضرب اقتصاد الفلاحين الفلسطينيين، كما فعلت مع تجارة الحبوب حيث استوردت كميات كبيرة منها بأسعار بخسة، فلحقت اضرار بالفلاحين، فاضطروا إلى تسليم عقاراتهم وأراضيهم إلى البنك بواسطة وكلاء كان يهودا، قاموا حالا بتحويلها إلى مشترين يهود.  وافتتح البنك عمارته الجديدة في شارع يافا في أيار 1928(هي نفسها التي أصبحت لاحقا بنك لئومي). واعتبر هذا البنك بعد العام 1948 مصرفا مركزيا لاسرائيل ريثما تم تأسيس بنك اسرائيل(البنك المركزي) في عام 1951. عندها تحول اسمه إلى بنك لئومي. لا شك في ان قرار إقامة هذا البنك في مطلع القرن العشرين تزامن مع اتساع النشاط الاستيطاني الصهيوني ونشاط هرتسل ومؤيدي تياره الصهيوني. وكان من أوائل مديري فرع حيفا نتان كايزرمان وشلومو نتنزون(على اسميهما شارعان في جوار مبنى البنك في شارع يافا).

 

·      بنك   الاستيطان الهيكلي(التمبلري):

 

وهو البنك الالماني الذي تأسس في العام 1897 لخدمة النشاط الاستيطاني الذي وضعته جماعة الهيكليين في حيفا ويافا والقدس وعدد من المواقع في الجليل. وساهم هذا البنك في توفير القروض والدعم المالي لأبناء الجالية الالمانية الهيكلية في هذه المواقع. وكانت له فروع في القدس ويافا وحيفا. أما فرعه في حيفا فافتتح في عام 1904 في الحي الالماني. ويبدو أن رأسماله أو جزءا منه كان يهوديا بغطاء الماني، ويمكن الاستدلال على ذلك من اسم احد مديريه في الفترة العثمانية وهو الخواجه شتيرن(ذكر "خواجة" في سجلات المحكمة الشرعية في حيفا وغيرها دلالة على أنه يهودي). وعمل البنك إلى فترة متأخرة من الانتداب البريطاني، وكان لعدد من أهالي حيفا العرب حسابات فيه، كما روى لي كبار السن.

·      بنك الأمة:

أسسه حلمي عبد الباقي بعد استقالته من البنك العربي الذي أسسه مع شومان. وكان ذلك في العام 1937. وهدف البنك تقديم القروض إلى المزارعين العرب لدعمهم. وعرف عن هذا البنك كالبنك السابق تعاونه مع الجهات الانجليزية واليهودية، خاصة في مسألة الأراضي(وهذا موضوع يحتاج إلى مبحث آخر). واستمر عمل البنك حتى نهاية فترة الانتداب البريطاني. وبقيت ديون كثيرة على المزارعين ولم يتمكنوا من تسديدها بسبب طردهم وترحيلهم عن وطنهم وأملاكهم. توقف نشاط هذا البنك مع نهاية الانتداب، كما أشرنا سابقا، ولأن مؤسسه اهتم بالشؤون السياسية وترأس حكومة عموم فلسطين. ولكن عندما فشلت هذه الحكومة تابع إدارته للبنك في القاهرة إلى أن أصدر الرئيس عبد الناصر قراره بتأميم البنوك في عام 1961. وعمل في فرع حيفا خلال فترة الانتداب البريطاني الشاعر الفلسطيني مصباح العابودي(وهو من طبريا). وجدير ذكره هنا أن عبد الباقي قد اختلف مع شركائه شومان، ولهذا السبب قام بتأسيس بنك الأمّة. وجدير ذكره هنا أن ابنة عبد الباقي سنية متزوجة لعبد الحميد شومان مؤسس البنك العربي، وأن ابنته الأخرى نائلة متزوجة من عبد المجيد شومان ابن عبد الحميد شومان. أما ابن عبد الباقي الوحيد واسمه محمد فتزوج من سعاد ابنة رشيد الحاج ابراهيم.  فمن هنا تولى رشيد الحاج ابراهيم ادارة فرع بنك الأمة في حيفا حتى نهاية الانتداب البريطاني.
 

خاتمة:


بقيت أموالا عربية كثيرة في البنوك في حيفا في عام 1948، فما هو مصيرها يا ترى؟ من له الحق في المطالبة بها؟ ومن سيتولى هذا الأمر؟ وأي جهة مطالبة بالكشف عن حجم هذه الأموال؟ اسئلة كثيرة تنتظر إجابات.

__________________________________________________________________________ 

 

حيفا حاضرة في كتاب ماري إليزا روجرز "الحياة في بيوت فلسطين"

بقلم: جوني منصور

 

·      أسئلة لبعض منها إجابات:

 

أهداني الأخ جمال أبو غيدا ترجمة لكتاب ماري إليزا روجرز وعنوانه"الحياة في بيوت فلسطين"، وما أن تسلمته حتى رجعت بي آلة الذاكرة إلى زمن بعيد قرأت فيه هذا الكتاب وتعرفت من خلاله على بعض جوانب الحياة اليومية في فلسطين عامة وفي حيفا خاصة، لأن موضوع هذه المدينة يستهويني بل مسيطر على كياني بكليته. من هي ماري روجرز؟ وماذا أرادت أن تنقله إلى القارئ البريطاني عبر تسجيلها وقائع حياتيه يومية؟ وهل من اهداف من وراء هذا النوع من الكتب؟ هذا ما سأعرفكم عليه من خلال هذه المقالة الموجزة بعد أن أتيت على قراءة الكتاب بنهم سريع مهملا بعض واجباتي الاجتماعية، فعُذرًا.

 

·      مؤلفة الكتاب:

ماري إليزا روجرز هي شقيقة ادوارد توماس روجرز الذي تولى عدة مناصب في السلك الديبلوماسي البريطاني في مصر وفلسطين وسوريا، ومن بينها نائب القنصل في حيفا بين 1855 و 1859. وهي الفترة ذاتها التي أمضتها في حيفا وسواها من مدن وقرى ومناطق فلسطين متجولة ومتفحصة ودارسة لأحوالها وأوضاعها المعيشية والحياتية.

وحرصت روجرز على كتابة ما كانت تراه وتسمعه وتختبره يوما بيوم، ليس بهدف ان يكون سجل ذكريات لها او يوميات رحالة، بقدر ما أن يكون وصفًا دقيقًا لمجرى الحياة اليومية في فلسطين على وجه الخصوص.

 

·      كتاب رحالة أم بحث:

وقد يعتبر بعض المحللين أن كتابها "الحياة في بيوت فلسطين" هو من صنف كتب الرحالة، ولكن المعلومات التي تنقلها تؤكد بكل إصرار ووضوح أن فلسطين كانت تمر في غمرة تحولات جذرية في مسيرة نموها وتطورها، وأن هذا الوطن لم يكن أرضًا خاوية وخالية، بل ينعم بنشاط بشري محمود واقتصادي يتناسب مع الظروف السياسية التي كانت تحيط بالدولة العثمانية، السلطة الحاكمة آنذاك.

تجولت روجرز ممتطية حصانها في الجليل والساحل وجبال نابلس والخليل والقدس وضواحيها ويافا، متجاوزة كل العقبات التي من المحتمل أن تعترض طريقها كـأجنبية وسيدة على وجه التحديد.

يمكن ملاحظة تمكنها القوي من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ولها اطلاع واسع على عالم النبات والكائنات الحية التي عاشت ونمت وزهت في فلسطين. ومن جهة أخرى تكلمت العربية بطلاقة، بل أكثر من ذلك فهمت كلمات وعبارات لا يعرفها إلا من ولد ينطق بلغة الضاد.

 

·      تصوير الحياة اليومية:

صورت روجرز تفاصيل الحياة بدورتها اليومية والموسمية والسنوية ولعدة سنوات في ربوع فلسطين. فإن إقامتها في حيفا خصوصًا ومنطقتها وفرّت لها فرصا جيدة للاطلاع على هذه التفاصيل ونقلها بصورة ملفتة للانتباه وبكلمات تشير إلى فهمها العميق لكل التحولات والتغيرات التي كان يعيشها المجتمع العربي الفلسطيني بكافة مركباته الدينية والطائفية والاجتماعية.

 

·      من 1862 إلى 2013، حيفا حاضرة:

لقد نشر الكتاب بالانجليزية قبل مائة وخمسين عامًا، وبالتحديد في 1862، وها هو يرى الترجمة إلى العربية في مطلع هذا العام اي 2013. ويمكنني القول ان الكتاب بكليته يتميز بأن جذوره من حيفا، فمؤلفته عاشت في هذه المدينة ردحًا من الزمن إلى جوار شقيقها نائب القنصل العام لبريطانيا، وأن إنطلاقتها كانت من هذه المدينة إلى مواقع اخرى في فلسطين وجوارها. وبقي الكتاب ينتظر من يخرجه من سباته التاريخي العميق إلى العربية، فكان النصيب أن يحقق ذلك جمال أبو غيدا وهو من اهالي حيفا وإن ولد في اللجوء، فبيته نعرفه جيدا وكذا افراد من اسرته الكريمة. وأبى المترجم ألا يصدر الكتاب إلا بمقدمة بقلم ابنة حيفا المؤرخة مي ابراهيم الصيقلي، صاحبة كتاب "حيفا العربية" . فالكتاب بحلته القشيبة وروحه منبعث من مدينة الكرمل الأبية.

 

·      مواضيع الكتاب:

كشفت روجرز عن مركبات الحياة اليومية على مدى الساعات الطويلة، وكأني أراها تدون كل لحظة بلحظة في سجلها، وترفض ان تفوتها أية حركة أو أية كلمة. لهذا، نجد وصفًا رائعًا وجميلاً عن الأزياء سواء تلك التي ارتدتها النساء او الرجال والأولاد. وحظيت عادات وتقاليد المجتمع بتغطية واسعة بقلم روجرز، خاصة الزواج والوفيات والموائد والحفلات والمناسبات الدينية والعائلية. وحتى أنها قدمت وصفا للخياطة والتنجيد، ونقلت أحاديث الكواليس بما يخص القنصل والعمل والنشاط الديبلوماسي الذي عاشت في أروقته وحضرته. والصلوات والطقوس الدينية لدى المسيحيين والمسلمين، والأعياد.  ولم تتأخر روجرز من توجيه كلمات النقد اللاذع والقاسي في احيان كثيرة إلى دور المرأة الفلسطينية بكون شحيح في الحيز العام، وأن ثقافتها ضعيفة، وانها غير متعلمة. وميزت بين المرأة الدمشقية والمرأة الفلسطينية، وكانت قد أمضت أوقاتا طويلة في محافل النساء الفلسطينيات تأكل وتشرب وتتبادل الحديث معهن. أما الأماكن المقدسة فقد قدمت وصفًا لها من منطلقات دينية معتمدة على ما تحفظه من آيات وتعابير دينية مقتبسة ومستقاة من الكتاب المقدس بعهديه.

 

·      الفكر الامبريالي له حصة:

لكن المتأمل في سطور الكتاب وما بين هذه السطور يلحظ بدقة متناهية حريرية التعابير وناعمة الأسلوب الامبريالي الذي تبنته روجرز في كتابتها. بمعنى أن الصورة المقدمة للقارئ العادي هي وصفية بحتة، أما الباحث المتعمق فسيحظى بكتاب يندرج في عداد الكتب الامبريالية التي تمجد الغرب وتحط من قدر الشرق بتستر شديد وحذر كبير.  ومن جهة أخرى يظهر كتابها مدى استعداد الانجليز ليكونوا حكاما مناسبين بل مخلّصين مناسبين للشعب العرب الفلسطيني والمنطقة وخصوصا لإدارة موارد هذه المنطقة وتنظيم ثرواتها الطبيعية والبشرية، اي أنهم يقدمون أنفسهم لهذه الغاية.

 ولأننا نفتقر إلى أدبيات تصف لنا سير الحياة اليومية في فلسطين بكافة تفاصيلها، فإن كتاب روجرز يوفر لنا موردا جيدا للتعرف على هذه الحياة، والفوز بإطلالة عبر نافذة عدد من المواقع لطبيعة الناس وطرق حياتهم وسلوكهم الحياتي وتوجهاتهم المستقبلية. وتبين لها أن في فلسطين شعب يحب ارضه ووطنه، ومتمسك بتقاليده وعاداته. وبكونها قادمة من مجتمع تقليدي ومتمسك بعاداته وتقاليده استطاعت أن تفهم كنه العلاقة بين الفلسطينيين ووطنهم وأرضهم.

 

·      رؤية مستقبلية:

هل يمكن اعتبار كتابها هذا ملفا من المعلومات التي نقلتها إلى مكاتب صُنّاع القرار في لندن لدراستها وتفكيك رموز الشرق وسحره، وبالتالي وضع المخططات  والاستراتيجيات لاحتلال هذا الشرق وبسط السيطرة عليه وعلى موارده المختلفة؟ أم يمكننا اعتباره مجرد نص أدبي لرحالة أو مستكشفة نقلت ما شاهدته بإضافة ما انعكس في نفسها وعلق في ذهنها؟ مهما يتجه عقل وإدراك القارئ أثناء قراءته هذا الكتاب فإنه مما لا شك فيه أن الوصف مثير للغاية، وينقل الكتاب قارئه بسرعة هائلة ابتداءً من السطر الأول إلى منتصف القرن التاسع عشر ليعيش اجواء المدينة الناشئة حيفا والمدن الضاربة في التاريخ كعكا والخليل والقدس، والقرى الفلسطينية التي تشبه بعضها البعض كما نعتقد، ولكن يكتشف  القارئ ميزة كل واحدة من هذه القرى والمواقع.

 

·      لغته الأصلية صعبة والعربية سهلة!

كتب الكتاب بلغة القرن التاسع عشر، ولمن لا يعرفها جيدا سيقرر أنها غريبة عنه. لكن جاءت ترجمة الكتاب في غاية الدقة، ومنهى الرقة والسهولة، حيث نجح المترجم في تطويع اللغة لتصبح أداة لنقل الواقع بلغة عربية معاصرة مقرؤة ومفهومة للقارئ. وأكثر من ذلك، ولأن المترجم ذي جذور فلسطينية فإن تفسير عبارات وجمل كثيرة أوردها في متن النص باللهجة الفلسطينية المحكية إلى يومنا هذا.

لقد قرأت الكتاب قبل سنوات طويلة بلغته الأصلية، وواجهت صعوبات جمة في حينه في فهم كثير من المصطلحات والتعابير وبالتالي مقاصد المؤلفة، إلا أن هذه الترجمة وهي الأولى في المكتبة العربية قد وُلِدَت من رحم فلسطين. وبالتالي فإن صياغتها بقالب دقيق كان هو الغالب.

ويقع الكتاب بترجمته العربية في 413 صفحة، وهو من إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان.

·      شكرًا لأهالي حيفا:

شكرا للصديق الأخ جمال أبو غيدا على مبادرته هذه في وقت نحن في حاجة ماسة إلى مزيد من استكشاف ما كانوا يكتبونه عن وطننا وعنا، وإلى فهم التوجهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لفترة زمنية مصادرها التحليلية والوصفية قليلة وشحيحة. وشكرًا لأهالي حيفا الذين ورد ذكرهم في الكتاب، وإن رحلوا فروحهم ترفرف فوق روابي وتلال كرملنا الأشم. إنهم الذين وضع أسس مدينتنا هذه وأسسوا لمستقبل املوا ان يكون زاهرا لهم ولأبنائهم، إلا أن جريمة النكبة وضعت حدًّا لأحلامهم.

 

وأخيرًا...

سيُثري هذا الكتاب بترجمته هذه المكتبة العربية، وخاصة ما له علاقة وصلة مباشرة بوصف الحياة الاجتماعية بكل مركباتها يوما بيوم.

 

 

 

الأربعاء، 1 مايو 2013

قراءة تأملية في كتاب شفيق الحوت "بين الوطن والمنفى"


قراءة تأملية في كتاب شفيق الحوت "بين الوطن والمنفى"

 

بقلم: جوني منصور
 

رحل في 2 آب 2009 المناضل والمفكر الفلسطيني شفيق الحوت. ولد الحوت في يافا لعائلة فلسطينية ذات أصول بيروتية أيضا. فاختلط دمه بحب وطنين فلسطين ولبنان. تهجر مع عائلته في العام 1948 ودرس في الجامعة الامريكية وعمل في التدريس والصحافة، ثم شارك قياديين فلسطينيين في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية. وعرف تمسكه بالثوابت الفلسطينية دون تنازلات بالمطلق ايمانا منه أن حق الشعب الفلسطيني ليس موضوعًا للمساومة. كتب عشرات المقالات السياسية والنقدية، وأدى مجموعة من الأدوار السياسية في لبنان وخارجه دفاعًا عن قضية فلسطين. نشر كتابه "بين الوطن والمنفى" في عام 2007. شفيق الحوت متزوج للمؤرخة والباحثة بيان نويهض ابنة المفكر والمناضل اللبناني ـ الفلسطيني عجّاج نويهض. وتحية لهذا القائد والمناضل نُقدم للقارئ الكريم تعريفا به وبكتابه القيم هذا.       

عنوان الكتاب يدلل بوضوح إلى كونه سيرة ذاتية لكاتبه السياسي والصحافي والاديب والمناضل الفلسطيني المعروف شفيق الحوت. عنوان الكتاب الكامل"بين الوطن والمنفى، من يافا بدأ المشوار" إصدار دار رياض الريس، بيروت 2007.

وبالرغم من أنه يفتتح كتابه، وتحديدا في المقدمة، بأنه ليس سيرة ذاتية تقليدية، وأكثر من ذلك فإنه يُشدد على أن الكتاب ليس سيرته بالذات، "إنها سيرة وطن وشعب في مرحلة محدودة من تاريخهما، الموغل في القدم، المتخم بالصراعات والحروب، والمشهود له بصناعة الحضارات".

هذا هو شفيق الحوت الذي يُحسن اختيار الكلمات والعبارات لعلمه المسبق بفعل وتأثير الكلمة انسانيا وتاريخيا.

وإن كان يرفض بأدب وحكمة تعريف كتابه بكونه سيرة ذاتية إلا أنه يُدرك تمام الادراك كونه هكذا. فهو اعتبر نفسه جزءا من الشعب الفلسطيني، واعتبر مسيرة تاريخ الشعب الفلسطيني متمثلة بحياته ونشاطاته وتحركاته ومواقفه.

ولا يستطيع الحوت الهرب من طبيعة كتابه هذا فإنه يعتبر دوره أمام شعبه يدفعه إلى تدوين تجاربه، "ليستخلص منها الجيل المقبل الدروس والعبر، فلا يسمح للتاريخ بأن يُعيد مآسيه أو يُكررها".

ولن نخوض في مقالتنا بكافة تفاصيل الكتاب، فكتاب كهذا يستحق القراءة من أوله وحتى نهايته دفعة واحدة لما يحويه من محطات تاريخية مفصلية ومركزية وذات تأثير موضعي ومستقبلي على طبيعة وجوهر وكينونة القضية الفلسطينية والصراع التاريخي والعقائدي بين القوميتين العربية والصهيونية.

لقد عرف شفيق الحوت كيف يُقدّم لقرائه سجل التاريخ الفلسطيني المعاصر، تاركا يافا في حنينه الأساسي، متطلعا إلى يافا الأكبر ـ إلى فلسطين. فقام بتقسيم محطات حياته أسوة بمحطات القضية الفلسطينية، بكونها مركبا عضويا من حياته وبكونه قد التمس الزواج بها إلى الأبد، إلى أن يتحقق عدل السماء على الأرض!!

ما لفت نظرنا في هذا الكتاب عدد من المواضيع التي بمنظورنا بحاجة إلى وقفة للتأمل بها، أو لدراستها بصورة معمقة لشح المعلومات التي ينقلها الكاتب عن قصد أو لرغبة منه في تركها للقارئ اللبيب، أو لسبب آخر.

الكتاب مكون من قرابة 550 صفحة كثيفة المعلومات، ودقيقة التواريخ والمواقيت، إذ دأب الحوت على إخراج سيرته هذه بدقة للحيلولة مسبقا دون وقوعه في أي انتقاد وانتقاص في محتواه. ولهذا نرى ان كاتب السيرة الذاتية وأي سيرة ذاتية يعمل مؤرخا ومدققا لسيرته بل مُخرجا مسرحيا من همومه الأساسية أن يُخرج عمله إلى جمهور القراء بصورة جيدة، وألا يترك مجالاً لأي انتقادات مستقبلية، او لنقل ليُقلل من فرص الهجوم والنقد. ولكن في حالات السير الذاتية فإن كتابها يعلمون مسبقا مدى استعداد النقاد للقيام بمهامهم.

ومهما ولجنا هذا الجانب، فإن السيرة الذاتية هي صورة شخصية وذاتية لأحداث جرت في الماضي كان كاتب السيرة شريكا فيها أو مشاهدا لها نقلها بكلماته وبما يتفق وتوجهاته.

وبالرغم من تشرده واسرته من يافا في فلسطين إلى لبنان إلا أن المكان يرافقه طيلة عمره، وهذا الجانب هو ما يميز الفلسطيني المهجر عن مكانه وموطنه. وترك المكان أثره على نفسيته وحالته الاجتماعية ثم النضالية، فينقل على لسان والده حالة غريبة وملفتة للانتباه "هل تشم رائحة زهر البرتقال؟"..."هذا ميعاد التزهير!!" ويستغرب الحوت حالة والده البعيد عن بيارته اليافية "كنت أعلم فيما مضى أن في استطاعة المرء أن يستعيد صورة مشاهد من الماضي، أما أن يستعيد رائحة الاشياء، فهذا ما لم أكن اعرفه! وعندئذ أدركت أكثر سر العلاقة بين الارض والانسان".   

ويصور أمكنة كثيرة في سيرته، ومن أبرزها بيروت وهي "أشبه بمنتدى للحياة العربية العامة، وملتقى الأجيال السياسية المتصارعة". ويرى الحوت الوجه الآخر لبيروت" فقد كان هناك انقسام مزدوج غير منظور، لكنه كان يتفاعل وينمو بسرعة كبيرة. الانقسام الأول طبقي، مجسدا بما كان يُسمى حزام البؤس حول العاصمة، والثاني سياسي يتعلق بالموقف العام من مسألة العروبة" ويشير إلى قضايا اساسية منها قضية الثورة الجزائرية وقضية فلسطين.

وشارك بعزم في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وسلخ شطرا كبيرا ومركزيا من حياته في سبيل القضية التي يؤمن بعدالتها ويعمل من أجل إحقاق الحق والعدل. وبالرغم من أنه مثل المنظمة في بيروت لفترة طويلة ونجح في تذليل الصعاب التي واجهها الفلسطينيون على يد الحكومة اللبنانية ومؤسساتها الفاعلة على الأرض وفي مقدمتها اجهزة المخابرات، إلا أنه يُسجل له تاريخيا قدرته الديبلوماسية وعلاقاته الانسانية المتميزة في سبيل تحسين الاحوال الفلسطينية. وخلال الحرب الاهلية التي كان للفلسطينيين دور فيها سواء عسكريا او سياسيا إلا أنه لم يبرح لبنان من منطلق الحفاظ على الباقين من أبناء الشعب الفلسطيني بعد إخراج القيادة الفلسطينية من بيروت إلى تونس.

وعلمته التجربة غياب الديمقراطية في العالم العربي وتقديس الزعيم إذ اكتشف خلال نشاطه السياسي "أولى حقائق العمل السياسي العربي، وهي أن المسؤول الأول في أي قطر عربي، ملكا كان أو رئيسا، هو وحده صاحب الكلمة، وهو لا يترك لوزيره إلا هامشا ضيقا للمناورة". ويضيف قائلا:"وأكثر ما آلمني هو ما رصدته من أحقاد بين بعض الدول العربية على بعضها تفوق أحقاد أي منها على العدو المشترك"، هذه الصورة تعكس واقع أليم ومر يعيشه العالم العربي أسير أطماع وقمع الحكام وانقيادهم وراء مصالحهم الذاتية والعائلية أكثر من مصالح أمتهم.ٍ

وفي محاولته إنصاف أحمد الشقيري الرئيس الاول للمنظمة يعترف بمساهمة هذا الرجل في إيجاد المنظمة ودوره في وضع أسسها. ويضعه تصنيفا ثاني ثلاثة بعد الحاج امين الحسيني ومن بعد الشقيري ياسر عرفات. وكانت قيادات فلسطينية وعربية قد اتهمت الشقيري بالتقصير في قيادة المنظمة وتمثيل القضية الفلسطينية عالميا بصورة جيدة.

إذن، هنا حدد الحوت من وقف تاريخيا على رأس قيادة الحركة الوطنية ـ التحررية الفلسطينية خلال القرن العشرين ومطلع الحادي والعشرين.

والمتتبع لعرض الحوت الموزع في فصول عديدة في الكتاب حول ياسر عرفات يلحظ الحيطة والحذر التي يتبناها في هذا الموضوع. ونلاحظ أيضا أنه في حيرة من أمره في تحديد ملامح نهائية وحازمة تتعلق بشخصية ودور ياسر عرفات. إلا أنه في كل مرة يطرح فيها نقاشه الداخلي الخاص بأبي عمار فإنه يؤكد اعترافه بأهمية دور الشخص في بناء المنظمة وتطوير حركة النضال الفلسطيني ورفعها إلى مستويات دولية أكسبت القضية ثقة عالمية واسعة ومنقطعة النظير. ولكن الحوت بالرغم من مواقفه هذه تجاه دور ومساهمة عرفات الوطنية والمركزية في الحركة التحررية والثورية الفلسطينية، إلا أنه لم يتراجع أبدا عن رفضه لاتفاقيات اوسلو وما جرته من ويلات على مصير القضية الفلسطينية وعلى الفلسطينيين، ووجه انتقادات لاذعة لنهج عرفات ومناصريه من خلال مقالات له نشرها على صفحات جرائد مختلفة، ومن خلال ما يورده في سيرته الذاتية هذه. إلا أن هذا الرجل الديبلوماسي المحنك يعرف كيف يحتفظ بصداقات واحترام معارضي مواقفه، فخلاف الرأي لا يُفسد للود قضية.

قمت بتتبع ما كتبه الحوت عن علاقته بعرفات من بداية تعرفه عليه فكتب ما يلي:"اعترف بأن الرجل دخل قلبي. لكن عقلي كان لا يزال مترددًا، وقررت أن من حقه علينا أن نمنحه الفرصة والدعم...".

وحول الخطاب التاريخي الذي ألقاه ابو عمار في الامم المتحدة في عام 1974 يقول الحوت ما يلي:"...تزدحم في بالي وتتدافع ذكريات مقترنة بمشاعر مختلطة..." هذه عبارة تثير قلقه من عرفات بالرغم من ان كادرا كبيرا عمل على وضع وكتابة وترجمة خطابه التاريخي. ويضيف الحوت شيئا له علاقة بطبيعة عمل ابو عمار الذي كان مدمنا على العمل المتواصل "هذا الرجل يتمتع بديناميكية غير معقولة، ولم أصدق ما كان يُقال عنه في بيروت من أنه يعمل ثلاث ورديات، ويغير ثلاثة طواقم من المساعدين".

ولم يُخف الحوت أبدا ما كان يراه بوضوح عند ابو عمار في مسألة تقديم أجوبة مباشرة لأسئلة صحافيين، وفي شطحاته أحيانا في تقديم إجابات أخرى. وهذا من طبيعة ابو عمار، وخلقت أحيانا كثيرة بلبلة واسعة.

وباعتقادي تمكن الحوت من تقديم وصف قريب للغاية لصورة وسلوك أبو عمار عندما هم بالاستقالة (الحوت) من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية:"بدأت أشعر بعاطفة متناقضة تجاه أبو عمار، الذي أكن له كل مشاعر الود والمحبة والصداقة، بقدر ما أحمل على العديد من تصرفاته وسلوكه كقائد مسؤول عن مصير شعب".  ويعتبره الحوت قدريا إلى حدود المغامرة. "كما أنه يمكن القول إنه كان يلجأ إلى تلك "القدرية" في بعض الأحيان وسيلة أو ستارا لفرض إرادته".

وفي أعقاب حادث اختفاء طائرة أبو عمار في نيسان 1992 ونجاته يكتب الحوت موقفه من الحدث ومن الرجل وراء الحدث:" وبقدر فرحتنا بنجاة أبو عمار، كان هناك عتب وربما غضب عليه، لأن غيابه كشف عيوب "التفرد" بالقيادة، إذ كان توقيعه وحده هو المعتمد سواء لتوقيع اتفاق مع دولة أو لشراء بطانيات للجنود".

ويتصاعد موقف الحوت حدة بخصوص تفرد أبو عمار بالقيادة بقوله:" وفوجئت أكثر أنه ركز في دفاعه عن أسلوبه في التفرد بشكل يثير مزيدا من النقد، بدلاً من امتصاص ما هو قائم، وخصوصا عندما أشار إلى موضوع "الخزنة".

ويضيف الحوت حول ارتفاع منسوب أعصاب أبو عمار في هذا الأمر بقوله:"باختصار، وبألم شديد، لأني أود الرجل وأقدر له العديد من مزاياه، أقول إن أبو عمار بعد حادثة الطائرة تحول على شخص آخر، وعلى عكس ما تمنى له كل محبيه المخلصين، فهو ازداد فردية أضعافا مضاعفة، ووقع في وهم انه معصوم، صاحب رؤى، وترعاه عناية إلهية خاصة، كما أنه تماهى مع فلسطين إلى شفير الخلط بين الحقيقة والخيال".

ويتطرق الحوت إلى تحليل التحولات لدى عرفات في كل ما له علاقة بشخصيته ونفسيته بقوله:"أوليس في مثل هذا السلوك غير المبرر سياسيا وتنظيميا، والذي يعتبر خروجا على المألوف، ما يدعو إلى الشك في السلامة النفسية لصاحبه؟"

ولا يبخل الحوت من استعمال سوطه هذا مع القادة العرب "فهناك كثيرون غيره، منهم من وقع في شر مسلكه، ومنهم من ينتظر".

ويصرح الحوت أن سلوك عرفات قد أثر عليه كثيرا، خاصة في بلورة موقفه المستقبلي من العمل في إطار يديره عرفات ذاته " بيني وبين نفسي كنت أشعر بأننا تحولنا إلى أصفار، وأن لا دور لنا سوى ديكور لشيء يُسمى قيادة. وذات يوم كنت أتحدث مع محمود درويش عن هذا الوضع بشيء من الحدة والانفعال. وكان رد محمود قاسيا بقدر ما كان حقيقيا. قال بالحرف:"يا أخي أبا الهادر، هذه ثورة فصّلها أبو عمار على قياسه، فإما أن تقبل وإما أن ترحل". ومن لحظتها أخذت فكرة الرحيل تلح على خاطري".

ويشير الحوت بقوة إلى الجهود السياسية والديبلوماسية التي بذلها هو وأعداد كبيرة من الكوادر الفلسطينية في سبيل القضية الفلسطينية في العالم، وفي اقامة علاقات سياسية مع معظم الدول في العالم. أصبحت فلسطين هي قضية العالم. ويعتصر الحوت ألما إلى ما آلت إليه القضية الفلسطينية في الآونة الأخيرة بقوله:"ماذا فعلنا بأصدقائنا حول العالم؟ لقد بدأوا يهجروننا بعد أن هجرنا نحن مبادئنا وتخلينا عن حقوقنا".

ويوجه نقدا لاذعا للقيادة الفلسطينية بأنها خاضت العملية السلمية في صراعها مع العدو، تماما كما خاضت من قبل العملية الحربية، أي من دون استراتيجية محددة، أو أجندة سياسية تتضمن أولويات هذه العملية وآلياتها وتكتيكاتها". هذا كلام في غاية الخطورة والدقة، إذ يمكن أن ينسف مسيرة النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الاسرائيلي وآلته القمعية، وفي الوقت ذاته موازاة النضال المسلح بالعملية السلمية من حيث تشابه التوجهات!! أعتقد أن هذه الجملة بحاجة على مزيد من التوضيح والتفسير. معنى ذلك ان كل ما قدمه الفلسطينيون من ثمن ذهب هباء. وإلا ما معنى النضال والكفاح على مدار ستة عقود؟

أن معارضة الحوت للعملية السلمية تستند إلى ايمانه بضرورة السير في طريق آخر غير الاستسلام، كما يصور ذلك، وأن ما فعلته القيادة الفلسطينية وما زالت من تأرجح في ما يُسمى بالعملية السلمية والتفاوضية ما هو إلا لتفتيت القضية الفلسطينية، واعتقد أن خوف الحوت على ضياع القضية وعدالتها في مكانه الصحيح، إذ من حق الوالد السهر على مصلحة أولاده، وهو يرى أن من واجب القيادة الفلسطينية عدم ترك ابنائها، بل التمسك بالثوابت الفلسطينية التي اعترفت بها الشرعية الدولية وفي مقدمتها بل على رأسها حق العودة. 

للحوت حسابات مع قيادات فلسطينية في مستويات مختلفة، خاصة ما له علاقة بضرورة مراجعة ما جرى والتخطيط لما سيأتي، ومن بين الاحداث الجديرة بالمحاسبة ما حدث للثورة الفلسطينية في لبنان، إذ كان لا بد من التعامل مع هذا الحدث بالتحليل والتقويم واستخلاص العبر.

ومسألة أخرى شدت انتباهي في كتاب الحوت هذا، وهو السياسي البارع عندما يتطرق إلى العلاقات الاردنية ـ الفلسطينية فيقول بصريح العبارة:"فأنا حتى هذه اللحظات من عمري، وبعد خمسين عامًا من العمل المتواصل في قضية فلسطين ومتفرعاتها، أُقر وأعترف بأنني لم أفهم بعد، بالوضوح المطلوب، حقيقة العلاقات الأردنية ـ الفلسطينية، وماذا يريد الأردن من الفلسطينيين، وماذا يريد الفلسطينيون من الأردن!".

هل هذا موقف استغرابي أم استفهامي أم فيه إثارة وتحريك لأطراف أخرى لتقدم جوابا؟  بمعنى آخر، ألا يعرف الحوت ما موقف الأردن وماذا يريد نظام الاردن من القضية الفلسطينية وكيف تعامل الاردن ويتعامل مع القضية الفلسطينية؟ اعتقد ان الحوت يمتلك الاجابات الكافية حول هذا الموضوع، إلا أنه يحتفظ بها، وأنه يريد وضع القارئ اللبيب في حيرة من امر هذا الموضوع ليبحث بنفسه عن الاجابات أو يحلل المعلومات المتعلقة بالموضوع بنفسه.

ويحتوي الكتاب مواضيع نقاشية جادة تستحق وقفات مركزية عندها لكونها تثير قلقا، وهذا قصد الحوت، وعلى رأسها مصير القضية الفلسطينية بعد خوض القيادة الفلسطينية برئاسة عرفات ومن خلفه مسيرات وجولات من المفاوضات، ثم ما لحقه ـ أي عرفات ـ من محاصرة في رام الله وبالتالي حصار لشعب الفلسطيني إلى يومنا هذا. هذه الحالة توقعها الحوت بكونه يرى أن اختيار السلام لم يكن مؤسسا على أجندة ثابتة وواضحة، بل عفوية وارتجالية دون أسس متينة وقوية. أي انه كان يود أن يرى قيادة فلسطينية صامدة تحمل قضيتها عاليا دون تنازل عن حقوقها، مهما كانت العوامل.

وأخيرا، ارى أن كتابا كهذا يشد القارئ المهتم بالقضية الفلسطينية كثيرا، ويترك في داخله تساؤلات كثيرة جدا، أليس هذا دور كل كتاب؟ ليبق أثره ظاهرا وعميقا في حياة الناس؟!

إن كتاب شفيق الحوت هو من نوعية السجلات الصحافية ـ التاريخية ـ المذكرات الشخصية والتحليل الذاتي لما يجري على أرض الواقع بخصوص القضية الفلسطينية.

 

الجمعة، 26 أبريل 2013

وحيد تاجا يحاور د.جوني منصور


جوني منصور لأشرعة:روايتنا الفلسطينية لم تكتب بصيغة نهائية لأن القضية لم تنته بعد


دمشق ـ من وحيد تاجا
ما الذي يعنيه يوم الأرض بالنسبة لفلسطيني الـ 48 ..وكيف يتعايش المؤرخ الفلسطيني في الداخل مع المجتمع "الاسرائيلي" .. وما هي اولوياته .. ولماذا لم يستطع حتى الان كتابة رواية تاريخية فلسطينية .. وكيف ينظر إلى اطروحات المؤرخين الصهاينة الجدد .. هذه التساؤلات وغيرها كانت محور لقائنا مع المؤرخ الفلسطيني الدكتور جوني منصور .جوني منصور مواليد حيفا عام 1960، ومقيم فيها مع عائلته. حاصل على درجة الدكتوراة في تاريخ الشرق الأوسط من كلية الاستشراق ـ سانت بترسبرج ـ روسيا . يعمل حاليا محاضرا لموضوع التاريخ في الكلية الأكاديمية في بيت بيرل ـ نائب مدير كلية مار إلياس ـ عبلين(الجليل) . شغل في السابق منصب مدير وحدة بنك المعلومات في مدار ـ المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية. له عدة دراسات ومؤلفات وكتب عن تاريخ فلسطين والمنطقة وحيفا بشكل خاص.
* ـ ونحن لا نزال نعيش في اجواء يوم الارض .. نتساءل ما الذي يعنيه هذا اليوم بالنسبة لمؤرخ فلسطيني من أهالي 48 .. ؟
- لا شك في ان يوم الأرض شكل منعطفًا كبيرًا في حياة الفلسطينيين في الداخل، إذ ولأول مرة منذ احتلال فلسطين في عام 1948 يعلن الفلسطينيون عن عصيان مدني ضد سياسات حكومات "إسرائيل" تجاههم. فهذه الحكومات اعتبرت الفلسطينيين الباقين على أراضيهم مواطنين تابعين لنظامها، ولكنها تتعامل معهم وفق قوانين وأنظمة تمييزية، هدفها الأساس نهب وسلب المزيد من الأراضي الفلسطينية بذرائع مختلفة. لهذا، انا اعتبر يوم الأرض حاملا أبعادا واسعة تخطت حدود الصمت، ودفعت بالفلسطينيين إلى رفع صوتهم مطالبين بالحقوق وخاصة حق الحياة على الأرض التي يمتلكونها. من جهة أخرى فإن يوم الأرض أحدث تغييرا في المشهد النضالي، إذ لم تعد القضية مقتصرة على مطالب يومية بل دفاعا عن الوجود والبقاء. وباعتقادي أن هذا الحراك بما حمله من رسالة جعل يوم الأرض يوما عربيا وليس فلسطينيا فقط.
* ـ في ذات السياق كيف يتعايش المؤرخ الفلسطيني داخل الكيان الصهيوني .. ما هي المواضيع التي تشغلكم هناك ..هل تعانون من أي مضايقات .. كيف تتعاملون مع أسرلة المجتمع..؟
أولا، نحن نعيش على أرضنا وفي وطننا. ونحن لسنا غرباء عن هذا الوطن. ونحن لسنا ضيوفا فيه، وأيضا نحن لسنا حالة طارئة. نحن أصحاب الأرض ولنا قضية وندافع عنها. القضايا التي تشغلنا كثيرة هي، في مقدمتها المطالب اليومية والتي يحتاج إليها كل إنسان حتى يعيش أسوة بباقي الناس في أي بقعة في العالم. مثلا قضايا المساواة في الميزانيات المحلية ـ في البلديات والمجالس المحلية، مساواة في ميزانيات التربية والتعليم، مساواة في شؤون الرعاية الصحية، الخ.... بمعنى أننا نعاني من سياسات تمييز فاضحة ومكشوفة في مسألة الميزانيات. فمقارنة بين ما تخصصه الحكومة عبر وزاراتها ودوائرها الرسمية للمجتمع اليهودي وما تخصصه للمجتمع الفلسطيني في "إسرائيل" فيه فارق وفجوة كبيرة للغاية، وهذا ينعكس بالتالي على مستوى الخدمات والمعيشة. مسألة أخرى نكافح من أجل تحسين ظروفها وهي توفير فرص العمل، خاصة للأكاديميين، حيث إن سياسات "إسرائيل" تقضي بفرض قيود على عدد من الوظائف الرسمية في القطاع العام على وجه الخصوص بأن يكون المتقدم إليها قد أنهى خدمته العسكرية. هذا الشرط مجحف وغير قانوني بالمرة، ولكنه متبع بطرق مختلفة، وذلك لتفضيل اليهودي أو الذي خدم في العسكرية على الفلسطيني الذي لا يخدم بل يرفض تأدية الخدمة العسكرية في جيش يحتل أرضه وطرد أهله. وبالتالي التضييق على الفلسطيني ودفعه إما إلى البحث عن مجال عمل آخر، أقل من الذي كان يرغب فيه أو مؤهلاته تسمح بها، أو إلى الهجرة من الوطن.
من جهة أخرى يتعرض المجتمع العربي الفلسطيني، وبالرغم من سياسات الفصل العنصري، أي فصل الأحياء العربية عن اليهودية في المدينة الواحدة، أو فصل قرى عربية عن مستوطنات يهودية، يتعرض إلى موجات من الأسرلة عن طريق اختراق اللغة العربية وتشويهها، وفرض اللغة العبرية بدلا من اللغة العربية في الحيزات العامة، أو توجيه برامج ومناهج التعليم لتخدم هذه السياسات... وبدون أدنى شك أنه في وسط توفر عشرات وسائل الإعلام الإسرائيلية الناطقة بالعبرية وقلة الناطقة بالعربية تنجح خطط الاسرلة، وتفوز بفريستها. ولكن بدون شك أن هناك وعيا لدى قطاعات من المثقفين العرب الفلسطينيين لهذه الظاهرة، ويجري العمل على الحد منها، ولكن الأدوات المتوفرة شحيحة، والحاجة ماسة إلى موارد مادية وطاقات بشرية وبرامج لمواجهة مد الآسرلة داخل المجتمع. ولكن بالإجمال استطيع القول إن الوضع مقلق، وليس خطيرا إلى حد كبير إلى الآن، ولكن ما يخبئه المستقبل غير مطمئن.
هناك عدد من الجمعيات الأهلية تعمل على رفع مكانة اللغة العربية، وبعضها يعمل على تثبيت الهوية القومية من خلال سلسلة من الفعاليات الثقافية والأنشطة الجماهيرية، والمحاضرات والنشرات، ولكنها غير كافية إزاء ما تقوم به مؤسسات "إسرائيل" وأذرعها الكثيرة الناشطة بين الفلسطينيين لمنعهم من تبني توجهات قومية ووطنية معارضة لـ " إسرائيل".
* ـ في ذات الاتجاه. استوقفتني رسالتك إلى رئيس جامعة حيفا على اثر طرح إدارة الجامعة شعارًا (لوغو) جديدًا خاليًا من العربية.. حيث استنكرت هذا الحدث وطالبت باستعمال اللغة العربية في كل مرافق الجامعة ..ماذا تحدثنا عن هذا الموقف وكيف كان رد الجامعة ..؟
إن موقع جامعة حيفا الجغرافي في منطقة فيها تجمعات عربية لهو مسألة في غاية الأهمية، حيث ان 35% من طلابها هم من الفلسطينيين، خاصة من منطقة الجليل شمالي فلسطين. ولأن موقعها في حيفا وبلدية المدينة تدعي بالتعايش المستمر بين العرب واليهود، حري بهذه الجامعة أن تبرز اسمها باللغة العربية إلى جانب اللغتين العبرية والانجليزية. ولكن ما جرى هو إزالة الاسم بالعربية والإبقاء على اللغتين العبرية والانجليزية. تمت هذه الخطوة ليس بالصدفة، إنما بعد دراسة كبيرة من قبل إدارة الجامعة، وهذا يبين لنا بوضوح انتصار اليمين المتطرف في "إسرائيل". حيث ان اليمين المتطرف جدا يفرض أجندته في كل مكان وفي كل خطوة، وانجرت إدارة الجامعة وراء هذا التوجه. معنى ذلك، ان جامعة حيفا تنحرف يمينا، ما ينعكس سلبا على وجود الطلاب العرب فيها. في حين أن هناك اصواتا تطالب بمزيد من وجود العربية في حيزات جامعة حيفا، سواء كان في الشعار الجامعي والمكاتبات واليافطات وسواها. ولكن الصراع يندرج نحو اللغة وهذا غير مقصور على حدود هذه الجامعة بل قائم في مؤسسات جامعية اخرى، حيث تتلاشى العربية منها، علما أن العربية لغة رسمية في " إسرائيل".

* ـ تطرقت في كتابك "الاستيطان الإسرائيلي"(التاريخ والواقع والتحديات الفلسطينية الى استعمال المستوطنين ووسائل تثقيفهم لنصوص أدبية لدعم حركتهم الاستيطانية في مواجهة الحركة الأدبية الفلسطينية المقاومة لهم..هل يمكن إيضاح تلك النقطة ..؟
يميل المستوطنون إلى تعميق وتثبيت وجودهم الاستيطاني من خلال تبني عدة طرق وتوجهات. فالأمر غير مقصور على بسط السيطرة العسكرية، إنما على فرض الهيمنة الثقافية. حيث وضعت عشرات الأغاني والأناشيد والقصائد الشعرية التي تمجد الروح الطلائعية للمستوطنين والرسالة التي يؤدونها، وأن الاستيطان هو أمر طبيعي وحق من حقوق اليهود في الأرض التي وعدوا بها. وهذه الأنواع الأدبية التي تدرس في مدارس المستوطنات وبعض منها في مدارس " إسرائيل" تسعى إلى خلق واقع ثقافي اجتماعي لدى المجتمع الإسرائيلي برمته، يجري بواسطته التصدي للمقاومة الثقافية الفلسطينية التي تؤكد على الأرض وأهمية الوطن ودور المقاومة في دحر الاحتلال ووضع حد نهائي له. بمعنى آخر ان هناك صراعا قويا بين الثقافتين الفلسطينية والإسرائيلية حول موضوعات الأرض والوطن. وتبين لي من خلال مراجعات لنصوص أدبية صهيونية وإسرائيلية كثيرة أن واضعيها قد اطلعوا على مكونات النصوص الفلسطينية ودرسوها، وبالتالي عرفوا كيفية صياغتها بما يتناسب ورفع الروح المعنوية لدى المستوطنين والإسرائيليين. من جهة أخرى تقوم المؤسسة الإسرائيلية بترجمة نصوص أدبية فلسطينية كثيرة وتطرح مقابلها نصوصا صهيونية وذات توجهات استيطانية للبرهنة على أحقية اليهود في فلسطين. إذن، صراعنا غير مقتصر على الجوانب السياسية والعسكرية إنما بلغ عمق الثقافة.

* ـ رغم كل الجهود المبذولة من مجمل المؤرخين الفلسطينيين يرى البعض أن " الرواية التاريخية الفلسطينية لم تكتمل بعد وما تزال تقف أمام تحديات جسيمة، ولم يتم فيها بعد ترميم الخسارة الفادحة بالمصادر المكتوبة والوثائق.. فما الذي يقف عائق أمامكم كمؤرخين..؟
من قال إن الرواية الصهيو- إسرائيلية قد اكتملت؟ لم تكتمل ولن تكتمل، وبالمقابل فإن روايتنا الفلسطينية لم تكتب بصيغة نهائية لأن القضية لم تنته بعد. فكل طرف يدعي أن له رواية، ويتمسك بها وبتفاصيلها... ولكن ما كشفته مؤلفات وبحوث المؤرخين الجدد في "إسرائيل" أن ما كتبه مؤرخو المؤسسة الإسرائيلية عن حرب 1948 هو كذب وتلفيق وسرقة الحقيقة. كشف هؤلاء من خلال الأرشيف الصهيوني وارشيفات "إسرائيل" الأخرى عما قامت به المنظمات العسكرية الصهيونية من مجازر ومذابح وتدمير وطرد وترحيل وفقا لخطط وضعتها القيادات الصهيونية ونفذتها بأوامر من دافيد بن غوريون، وكانت الحصيلة طرد فلسطينيين من 531 مدينة وقرية وتدمير معظم هذه المدن والقرى في وقت لاحق. ما نقوم به هو الاعتماد على شهادات حية من أهالي فلسطين الذين عاشوا تلك الحقبة، ورأوا بأم عينهم ما كان يجري، وأيضا نعتمد على وثائق (بالرغم من قلتها لعدم توفر أرشيف فلسطيني فيه كل ما يحتاج إليه المؤرخ). ولكن رؤيتنا كمؤرخين فلسطينيين تنطلق من حقوقنا التاريخية كشعب، فالمؤرخ في هذه الحالة لا يمكنه ان محايدا، بل بالعكس هو منحاز لقضيته لأنه يكتب عنها، وبكونه يكتب عنها فهي قضيته. ولهذا اعتقد انه كان موقفا جيدا بعدم مواجهة الرواية الإسرائيلية مباشرة فور صدورها بكتابة نصوص تاريخية فلسطينية. لقد احتجنا إلى فترة زمنية للاستفاقة من صدمة النكبة والشروع بالبحوث التاريخية. بمعنى آخر، اننا أصبحنا ناضجين وممتلكين وعيا قويا إلى أن الزمن قد ترك بصماته، وأن واجبنا هو ليس الكتابة لمجرد الكتابة بل من أجل دعم الحق الفلسطيني. وهذا هو دور المؤرخ الذي يحمل قضية، لا أن يكتب عنها نصا لمجرد النص بل للدفاع عنها.
* ـ إشارة لحديثك عن الاعتماد على التاريخ الشفوي في بناء الرواية التاريخية الفلسطينية.. ، نتساءل إلى أي مدى يمكن الاعتماد على دقة الرواية الشفوية في كتابة التاريخ..؟
كما ذكرت نحن لا نمتلك أرشيفا رسميًّا ولا خاصا مفتوح لجمهور الباحثين. ولكني أرى ألا نقف على الحياد ونترك "الميدان لحميدان" ، نحن مصرون على كتابة تاريخنا، والأدوات المتوفرة بين أيدينا ليست كثيرة، ولكنها كافية للتعاطي مع الحدث وكتابته بصيغة تاريخية وافية ومتكاملة. الحالة التي نحن فيها أننا نلجأ إلى التاريخ الشفوي، وباعتباره مصدرا جيدا فيما لو عرف المؤرخ كيفية استعماله لخدمة غرضه أو أغراضه ومقاصده. فشهادات المعاصرين وقد تختلف في بعض تفاصيلها هنا وهناك، إلا أنه قوية لأنها تنطلق من السنة من عايشها أو كان قريبا من زمن الحدث ومكانه. الحاجة لدى المؤرخ هو تبين دقتها بعد فحصها وتمحيصها والغوص فيها، والارتكاز فيما بعد إلى منهجية بحثية مناسبة يكون نتاجها نصا تاريخيا منطقيا وواقعيا ومؤثرا. أنا شخصيا لا أرفض التاريخ الشفوي، بل بالعكس ومنذ ثلاثة عقود أقوم بجمع شهادات من أهالي حيفا وشمالي فلسطين، ولكني لا أدعها وحيدة على صفحة التاريخ، بل ادعمها بوثائق ومستندات وصور وغيرها ..

ـ و كيف يتماهى هذا الحديث مع دعوتك لوضع أسس مشتركة للكتابة التاريخية التي تخص التاريخ الفلسطيني اولا والقضية الفلسطينية ثانيا. .؟
دعوتي في الأساس انطلقت من ضرورة توحيد الصفوف، اسوة بالدعوة إلى توحيد الصفوف السياسية والسعي بالتالي إلى وضع مشروع مشترك لكل المؤرخين الفلسطينيين والعرب وغيرهم لإخراج نصوص تاريخية داعمة للقضية. طبعا المسألة تحتاج إلى جهود كبيرة، وإلى موارد وطاقات بشرية ومادية، ولا اعتقد انها صعبة المنال والتنفيذ. كثيرون يكتبون عن التاريخ الفلسطيني، ويركزون على الحديث والمعاصر، في حين أن هناك حاجة ماسة إلى خلق مدرسة (مذهب فكري) للتاريخ الفلسطيني يعود به المؤرخ إلى فترات زمنية قديمة تؤكد وجوده. بمعنى آخر، بات على المؤرخ الفلسطيني ان يدافع عن وجود شعبه الساكن على أرضه منذ فجر التاريخ. هذا التوجه يحتاج إلى عمل جماعي موجه ومبرمج، وهو غير قائم إلى الآن إلا في مواضيع محددة ولفترة زمنية معينة وينتهي. وهذا يتطلب معرفة ما يكتبه الآخر ومواجهته ليس فقط سياسيا بل فكريا. والخلاصة أنه علينا وضع خطة مدروسة ومحكمة للتاريخ الفلسطيني، ووضع خطة لكيفية نشر هذا التاريخ ليصبح أكثر عالميا ويجلب المزيد من مؤيدي القضية الفلسطينية. أنا أسعى إلى ألا يكون البحث التاريخي في تاريخ فلسطين لمجرد دراسة التاريخ، نحن نحمل قضية وعلينا تصدير هذه القضية إلى العالم بكل الطريق، والطريق التي استطيع القيام بها هي الكتابة التاريخية، وانا أعتقد أن الكتابة التاريخية الجماعية او في مجموعة تزيد من قوة القضية. وهنا في هذه المناسبة أطلق صوتا بالدعوة إلى عقد مؤتمر عربي كبير للمؤرخين عنوانه القضية الفلسطينية.
* ـ كان لمدينة حيفا نصيب الأسد في كتاباتك .. وعنها تقول " حيفا تمثل مشهدًا جديدًا في مسيرة نضال وكفاح الشعب العربي الفلسطيني لجعلها مركزًا لثقافته وفكره ورؤاه ... هل يمكن إيضاح لماذا حيفا وليس غيرها من المدن الفلسطينية.. ؟

أردت من خلال كتاباتي عن حيفا أن أظهر أن هذه المدينة الشابة بين مدائن فلسطين، عمرها 250 سنة، هي أكبر من أي مدينة يهودية ـ اسرائيلية من حيث العمر، ومن حيث دورها التاريخي. فكيف الحديث عن مدائن فلسطين الأخرى التي تحمل على كتفها تاريخ آلاف السنين كعكا ويافا وغزة واريحا ونابلس والقدس .... من جهة أخرى من يدرس تاريخ حيفا يلحظ كيف نمت وتطورت هذه المدينة بفعل عوامل مختلفة منها محلية ومنها خارجية، وأصبحت قوة جذب لآلاف العائلات الفلسطينية من فلسطين ومن البلاد العربية المحيطة. وأدركت حكومة الانتداب أهمية حيفا وأدركت الصهيونية بعدها أو معها أهمية المدينة وبدأت تركز مشاريعها الاستيلائية على هذه المدينة. من جهة أخرى لم يكن المجتمع الفلسطيني في حيفا مجتمعا عماليا فقط، بل مجتمع حضاري بكل ما في الكلمة من معنى، حيث تأسست الأندية الثقافية والجرائد والمجلات والمسارح وصالات السينما وفرق الرياضة على مختلف أنواعها والمدارس والمقاهي والحركات الكشفية... وعاش المجتمع الفلسطيني في حيفا في تركيبة اجتماعية متناسقة وإن كانت مصادر قدوم المواطنين متنوعة من قرى ومدن في فلسطين ومن خارجها، إلا أن حيفا جمعت الجميع تحت جناحيها ومنحت كل فلسطيني فرصة العيش والتطور والنمو ورفع المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي. ونتيجة لمجموع الأجواء والظروف التي حصلت في حيفا بدأت تظهر فيها حركات سياسية ونضالية وانعقدت فيها مؤتمرات فلسطينية سياسية واجتماعية وتعليمية، وتشكلت فيها بعض الأحزاب، وتشكلت فيها حركة المجاهد عز الدين القسام التي رفعت لواء مقاومة الاحتلال الانجليزي وسياسات حكومة الانتداب القهرية والقمعية ضد الشعب الفلسطيني. لا شك في أن حيفا كمدينة ذات خصوصية تركت طابعا خاصا على تشكيل الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية.
من جهة أخرى فإن موقع حيفا على الطريق الواصل بين مصر وبلاد الشام، وموقعها الواصل بين الداخل السوري والساحل عبر القطار، وتطوير ميناؤها وبناء المنطقة الصناعية فيها وموجات الهجرة الاستعمارية الصهيونية ووفود الحركة العمالية إليها، اكسبها مكانة وحملها مسئولية تاريخية تجاه فلسطين، انقطعت او توقفت في عام 1948، واختفت بصورة كلية.

8 ـ كتابك عن "إسرائيل الأخرى" .. ما الذي قدمته من خلاله ..؟
هذا الكتاب هو في الأساس يحمل توجهين: الأول معلوماتي محتلن ( أي حديث )، خاصة وان ما يعرفه العرب عموما عن "إسرائيل" ليس بالقدر الكافي، وليس بنفس القدر الذي يعرفه الإسرائيليون عن العرب. الثاني: هو تحليل لعدد من المواضيع التي لا يمكن ان يعرفها العربي في العالم العربي إلا لمن يعايشها ويعرف نبض الشارع الإسرائيلي.
من جهة أخرى، يبين الكتاب في توجهه الرئيس أن ما يحرك " إسرائيل" هو الأمن في الأساس، اي ان النظام المدني فيها ليس مدنيا بقدر ما هو عسكريا، أي ان العسكرة هي العنصر الموجه للسياسة والاقتصاد والتعليم والحياة الاجتماعية. ومن حول النظام العسكري تدور الحياة. فرأيت انه من المناسب تعريف القارئ العربي والباحث المهتم بالإسرائيليات على الأجواء التفصيلية والدقيقة الجارية في " إسرائيل".
* ـ تشير التوجهات الإسرائيلية الأخيرة بإلزام المواطنين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية بقسم الولاء لـ "يهودية إسرائيل وديمقراطيتها". كيف ستتعاملون مع هذا القسم وكيف سينعكس على فلسطيني 48 ..؟

هذا موضوع خطير للغاية، واعتقد أنه ستقع مواجهات سياسية وقضائية بشأنه. المنطلق الأول هو رفض هذا القسم بكل أشكاله، والمنطلق الثاني هو عدم توافقية كون "إسرائيل" يهودية وديمقراطية في الوقت ذاته. وعليه أرى اننا سنواجه أزمة قوية في هذا السياق. لا اعرف إلى ما ستؤول الحالة، ولكني قلق للغاية من مزيد من التشدد وتشديد القبضة على أعناق الفلسطينيين في " إسرائيل".

* ـ كيف تنظر الى مجموعة "المؤرخين الإسرائيليين الجدد" ..؟
باعتقادي أن المؤرخين الإسرائيليين الجدد قدموا مساهمة كبيرة في مجال النص التاريخي وخاصة وأنهم ارتكزوا على نفس الأرشيفات التي ارتكز عليها مؤرخو المؤسسة الحاكمة في " إسرائيل" ، ولكنهم تعاملوا معها بطريقة مختلفة وأنهم أيضا تعاطوا مع وثائق أخرى. لا شك في ان ظهور هؤلاء هو دليل على محاسبة ضمير، ودليل على وجود معارضين لكل توجهات المؤسسة بطرح تاريخ كاذب وملفق، وأكثر من ذلك ان بعضهم، وخاصة (ايلان بابه) قد ذهب إلى ابعد من ذلك، حيث اتهم المؤسسة الإسرائيلية ليس بالتلفيق فقط بل بتنفيذ تطهير عرقي بحق الشعب العربي الفلسطيني في العام 1948، مبينا بالاستناد على الوثائق والمستندات في أرشيفات "إسرائيل". الصراع بين مؤرخي المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة وبين المؤرخين الجدد كبير هو، وهناك تيارات رافضة لهم، وهناك من يعتبرهم أعداء، لدرجة ان معظم مكتبات بيع الكتب في "إسرائيل" ترفض بيع كتبهم، وهذا ما حصل مع المؤرخ بابه، وأنا شاهد على ذلك. بمعنى آخر، أن هذا الرفض وهذه الموجة من المعارضة تؤكد تلفيق التاريخ الذي أرادت المؤسسة الإسرائيلية الرسمية فرضه لأحداث العام 1948، بحيث سعت وتسعى إلى تبرئة نفسها من عمليات الترحيل والتهجير والقتل وإلقاء المسئولية على الفلسطينيين والحكومات العربية. لهذا، اعتبر ان دورهم مهم جدا، وستزداد أهميته فيما لو عرفت القيادات الفكرية والسياسية العربية الاستفادة من كتاباتهم.
* ـ في ذات الإطار يسعى (بيني موريس) في كتابه عن حرب 1948 الى إعادة كتابة تاريخ هذه الحرب، و يدعي أن حرب (1948) لم تكن صراعا على الأرض، وإنما تدخل في إطار "الجهاد الأول"، وهي حرب لا تزال مستمرة حتى اليوم، وأنه من غير المؤكد أن " إسرائيل" ستنتصر فيها. بحسب موريس.. ..؟
( بيني موريس) أتعبنا قليلا وأشغلنا كثيرا فيما طرحه، حيث انه كان من أوائل الذين كشفوا جرائم "إسرائيل" في العام 1948 وحتى العام 1949(له كتاب آخر يتطرق فيه إلى حروب الحدود كما يسميها). فهو اعترف بجرائم " إسرائيل" في القرى والمدن الفلسطينية التي طرد اهلها، وبعد حين يتراجع عن اعترافه هذا. ولكن لندع قليلا تراجعه، فمجرد طرحه وإثباته وجود جرائم في كتابه ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، هو اعتراف من مؤرخ إسرائيلي بهذه الجرائم، وهذا الاعتراف يعكس تخبط مؤرخ (وبالتالي تخبط مفكرين غيره) في نفس المسائل. ومن جهة أخرى فيما لو عدنا إلى تراجعه فهو لا يغير من الحقيقة اي شيء. حيث يطرح السؤال لماذا تراجع؟ الجواب في باب السياسة، اي جراء ضغوط سياسية أجريت عليه ودفعته إلى التراجع.
أما مقولته ان "إسرائيل" لن تنتصر فهي حقيقية وواقعية، حيث تشير كل المؤشرات إلى ذلك. "إسرائيل" لا تواجه جيوشا عربية إنما شعوب عربية، وهذا مربع صعب للغاية. فالشعوب العربية تعتبر "إسرائيل" دولة استعمارية تسيطر على الأرض من منطلقات متنوعة، ولكنها أي هذه الشعوب تشعر ان سلب الأرض العربية هو سلب لكرامتها ووجودها التاريخي في المنطقة. ولهذا أنا أرى أن الصراع هو على الأرض وعلى الكلمة وتأثيرها وعلى التاريخ وصناعته وكيفية كتابته وعرضه على الملأ. اي أن هناك صراعا متعدد الجوانب من خلال تطبيق مشروع إقامة " إسرائيل" في هذه المنطقة بالذات.,
* ـ ايضا تطرق الباحث الإسرائيلي غيش عميت. الى " المجزرة الثقافية" التي ارتكبتها "إسرائيل " خلال النكبة وبعدها ..وتمثلت بنهب مكتبات لعائلات وكتّاب وأدباء فلسطينيين، عدا عن مكتبات ووثائق الهيئات الفلسطينية العامة، والمدارس والكنائس .ماذا يمكن الحديث عن هذه المجزرة..وهل هناك من خطوات لاستعادة هذه الكنوز الثقافية.. ؟
لم نحتج إلى أن يأتي عميت ويكشف هذا الأمر، فنحن نعرف معرفة حقيقية ومباشرة لمسألة سرقة الكتب خصوصا، بعضها موضوع على رفوف مكتبات الجامعات والكليات الإسرائيلية وهي في متناول اليد. ما بينه عميت هو أبعد من ذلك، ان هناك منهجا إسرائيليا منذ العام 1948 إلى سرقة الثقافة الفلسطينية. والمكتبات العائلية والعامة بما كانت تحويه من كتب ومحلات ووثائق هي كنز الشعب الفلسطيني وتأكيد على حضارته وفكره ورؤيته الثقافية وعيشه هذه الرؤية بممارسة حياتية فعالة. فلم لا تسرق " إسرائيل" هذه الكنوز ما دامت تقوم بسرقة ونهب الأرض والبيوت ومحتوياتها. لا تزال آلاف الكتب والوثائق الفلسطينية برزمها في أقبية الجامعة العبرية على سبيل المثال، ولا يوجد اي تصريح رسمي يعترف بهذه الجريمة الثقافية التي ارتكبتها " إسرائيل". هناك نية بتوجه قانوني إلى القضاء الإسرائيلي للإفراج عن هذه الكنوز، ولكن المسألة تحتاج إلى جهود جماعية وتعاون من طرف العائلات صاحبة هذه الكنوز لأنها ملكيات خاصة، في الأساس. ولكن هذا لا يعني انها ليست ملكا للشعب الفلسطيني عامة، إذ إنها نهبت في ظروف عدائية بحتة.
* ـ كيف ينظر كتاب الداخل ونقاده إلى ما يطرح حول مسالة التطبيع مع الكيان الصهيوني .. ؟
أنا شخصيا أفهم جيدا مواقف أفراد وجماعات من أهلنا في البلاد العربية من هذا الموضوع، ونحن ضد اي شكل من أشكال التطبيع، ولكن أن تؤسس علاقات اجتماعية وثقافية وتعاون بين العرب وبيننا نحن فلسطينيو الداخل لا أرى فيه اي شكل من أشكال التطبيع، بل بالعكس أرى فيه مزيدا من المحبة والتعاطف والدعم لوجودنا وصمودنا وبقاءنا. نحن لا نريد أن تستفيد " إسرائيل" من اي محاولة تطبيعية لدعم سياساتها في المنطقة، كل ما نريده هو فهم ظروفنا وخصوصيتنا وتمسكنا بهويتنا العربية وهذا كاف لتأكيد صلاتنا التاريخية والإنسانية مع اهلنا في الوطن العربي من محيطه إلى خليجه.
* ـ سؤال أخير.. ما هي أهم المشاكل التي يعاني منها مثقفو الداخل الفلسطيني .. وعلى الصعيد الإبداعي، هل تعتبر وجودك في أراضي الـ48 ميزة.. أم أنه حرمك من ميزة ما ..؟
من أبرز المشاكل التي يعاني منها مثقفو الداخل الفلسطيني غياب التنظيم الذي يجمعهم. كل مثقف يبحث عن طريقه لوحده دون ان يتلقى اي مساعدة إلا في النادر. من جهة أخرى تعمل المؤسسة الإسرائيلية على تدجين وتهجين عدد من المثقفين تحت غطاء الثقافة الفلسطينية لوضعهم ضمن حدود رغباتها والتخفيف من حدة توجهاتهم الوطنية والقومية. أضف إلى ذلك عدم وجود دور نشر تعمل على دعم نشر نتاج المثقف المبدع، فيضطر إلى القيام بذلك بقواه الذاتية والظروف الاقتصادية قاسية وصعبة للغاية. وانا أرى أنه من الضروري توفير حيز أوسع ومساحة اكبر للتعبير عن الفكر والثقافة الفلسطينية في الداخل في المحيط العربي القريب على الأقل، اي أن تتاح الفرصة وبطريقة مدروسة وموجهة إلى تبني إبداعات فكرية لفلسطينيي الداخل ونشرها بهدف تعريف العالم العربي عليها. وأنا اعني هنا التواصل المبرمج والممنهج وليس الفردي الذي يقوم به كل شخص بقواه الذاتية. وهذا يعني ضرورة التنظيم والمأسسة، لمساعدة المثقف الفلسطيني في الداخل على البقاء والاستمرار في التعبير عن الذات.
بالنسبة لوجودي أو بقائي في أراضي ألـ 48 ففيه المر وفيه الحلو. المر الذي فيه، أنني مضطر صباح مساء الدفاع عن وجودي وكياني ومستقبلي وهويتي وحضارتي. وأنني مضطر إلى أن أسير وفق قوانين وأنظمة فرضت علي بظروف لست منظمها ولا فاعلها، وأنني أعيش في أجواء متوترة ومتشنجة ومحيط معادي وكاره يرفض وجودي في الأساس ويسعى إلى اقتلاعي.
وأيضا هذا الإطار السياسي المصطنع والمبرمج الذي تكون في العام 1948 حرمني من التواصل مع امتدادي الطبيعي مع أهلي في سائر بلاد الشام وشمالي افريقيا وغيرها. بمعنى آخر قطع حبل الصلة مع هذا الامتداد التاريخي والوجودي عبر آلاف السنين.
ولكن ميزة بقائنا في ظل المشروع الصهيوني أنني استطيع أن أدافع عن أرضي من موقعي، وأنني استطيع أن أقارع هذا المشروع من الداخل، وأنني استطيع ان انقل إلى العالم العربي من خلال علاقة يومية جارية ما يمكن ان يضيء الأنوار على ماهية هذا المشروع وكيف يعمل وما هي رؤاه وتوجهاته السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. وهذه الميزة يجب ان تستثمر جيدا من قبل جهات عربية سياسية كانت أو غيرها، ومن قبل مؤسسات بحثية على وجه الخصوص.